الثلاثاء , 15 أكتوبر 2019

لقاء ميدان البحيرة مع بطل أكتوبر بفصيلة “الكوبرا” .. أسقط طائرتين للعدو الاسرائيلي .. وقصته مع الشهيد “جمال ” الذي فداه بروحه


كل عام تمر الذكري مرور الكرام علي من لم يعش لحظاتها ، ولكن عطر شذاها يبقي أبد الدهر في ذاكرة كل من عاش لحظات العبور الخالدة ، ألاف الجنود الذين عبروا القناة وسطروا ملحمة تاريخية بالنار والدم ، لكن قليل منهم بقي في الذاكرة وكثير منهم سقط منها .

منهم الجندي ماهر حمزة المجند بقوات الدفاع الجوي الذي أسقط طائرة فانتوم وأخري ميراج فوق سيناء لكنه سقط من ذاكرة الوطن .
أجريت ” ميدان البحيرة ” حديثا شيقا معه فتح فيه خزائن ذكرياته .

– بداية ما هو تاريخ إنضمامك لقواتنا المسلحة ؟
– إنضممت للقوات المسلحة في أول سبتمبر عام 1973 أي قبل بدء الحرب ب36 يوما فقط ، وقضينا فترة التدريب الأولي في منطقة اللاهون في بني سويف . وفي أواخر سبتمبر -قبل بدء الحرب بـ 15 يوما تم ترحيلنا إلي معسكر المعمورة مدرسة المدفعية للتدريب علي استخدام صواريخ ستريلا (سام 7) المضادة للطائرات .


– بماذا كنتم تشعرون وأنتم في مرحلة التدريب ؟
– كنا نشعر جميعا بأن شئ ما يتم التخطيط له وسيحدث قريبا جدا توقعنا أن تكون الحرب وتوقعنا أن تكون مناورات عسكرية فقط .

– ومتي إنضممت إلي المقاتلين في سيناء ؟
لم ندخل الحرب من بدايتها لكن في 10 أكتوبر 1973 تم ترحيلنا إلي الفرقة 21 دفاع جوي ومنها إلي اللواء 14 مدرع ثم تم إلحاقي بالكتيبة (357) والتي كان مقرها إستراحة المهندس عثمان أحمد عثمان علي طريق التل الكبير وفي يوم 13 أكتوبر كان اليوم الأول لي علي أرض سيناء .

– وعن ذكرياتك في أرض المعركة ؟ 
– الكتيبة (357) دفاع جوي قيادة المقدم سامح أحمد الشرنوبي ،كانت تحوي رشاشات 57 مللي مضادة للطائرات ورادارات لرصد التحركات الجوية ،وكان أهم ما في الكتيبة هو صاروخ ستريللا المعروف ب ( سام 7) مضاد للطائرات ،أحد الأسلحة الفتاكة التي رجحت الكفة في حرب التحرير الكبري ،وكانت فصيلتنا تسمي فصيلة الحية، كان وقتها الصاروخ روسي ، ولكن بعد الحصول السلاح المعدل من سوريا بفضل الرئيس الراحل حافظ الأسد  ،صار الإسم الجديد لنا هو فصائل” الكوبرا” حيث زادت قوة ودقة السلاح ومداه وسرعة إصابته للهدف .


– ولماذا صاروخ (سام7) بالذات ؟
– صاروخ (سام 7) يعمل على التوجيه الحراري مباشرة ، يبلغ مدى الصاروخ 3,700م بارتفاع يصل إلى 1,500 متر بسرعة 430 متر بالثانية ، أما عن سر قوته ذلك أنه يصيب الطائرة في مقتل حيث بعد إطلاقه فإنه يتجه تلقائيا إلي مكان الوقود بالطائرة فيفجرها مباشرة دون أن يعطي فرصة للطيار بالهرب بإستخدام Air jack لو إشتعلت الطائرة فقط ، وكان الصاروخ شديد الحساسية ضد النار والوقود لدرجة أنه كان يمنع التدخين في الفصيلة تمام حتي لا يشعر بها الصاروخ وينفجر .

– وكيف أسقطت الطائرتان في أرض المعركة ؟ 
يجب أن أقول في البداية أن منظومة إستخدام صواريخ (سام 7) تقوم في البداية علي إحتلال مكان يرجح أن تمر منه طائرات للعدو ،ثم أقف وجها لوجه مع الطائرة وتحديد نقطة إشارية لتحديد ما إذا كانت الطائرة معادية أم لا ، طبقا لما تدربنا عليه في فرقة تمييز الطيران ،وعند التأكد من أن الطائرة معادية ،أدعها تقترب دون أن تراني ثم أعطيها ظهري حتي تمر فوقي وتصبح فوق رأسي تماما وبعدها أعد 1003 . 1002 . 1001 ، ثم أطلق الصاروخ ويتعقبها ويصيبها في لمح البصر ،في اليوم الأول لي علي الجبهة 13 أكتوبر نجحت في إسقاط طائرة فانتوم f5 التي كانت درة تاج سلاح الجو الإسرائيلي ،وفي يوم 18 أكتوبر تمكنت من إسقاط الطائرة الثانية وكانت من طراز ميراج Dc3 فرنسية الصنع بنفس طريقة إسقاط الطائرة الأولي.


وأتذكر قصة رائعة حدثت يوم 14 أكتوبر عندما بدأ العدو في تكثيف الهجوم المضاد ،كان اليوم الثاني لي علي الجبهة وكان كلما يتم رصد موقعي كنت أتركه وأنتقل إلي موقع أخر  ،وفي ظهر 14 أكتوبر تم رصد الموقع وكثف العدو من هجماته علينا وعلي قواتنا المحيطة بنا ولكن كان التركيز علي فصيلتنا حيث إكتشف العدو أنها مركز لإطلاق الصواريخ الفتاكة ،وإشتبكنا بكل ما أوتينا من قوة بأسلحتنا الخفيفة البنادق الألية والرشاشات المضادة للأفراد ،وكانت ذخيرتنا قد قاربت علي النفاذ ولمحت من بعيد جندي إسرائيلي يقترب ولم تكن معي ذخيرة كافية لإيقافه فأحسست في داخلي أنها لحظاتي الأخيرة ،وإذا به يطلق علي وابل من النيران لتنشق الأرض عن زميلي البطل الشهيد “جمال ” الذي وقف حائلا بيني وبين الرصاصات وإذا به يتلقي طلقات الرشاش في صدره ليسقط فوقي شهيدا بدلا مني ،وتفيض روحه إلي عنان السماء تاركا دمائه فوق رأسي لتسطر أسمي قصص البطولة والفداء .
– وماذا حدث بعد يوم 24 أكتوبر ووقف إطلاق النار ؟
– بعد وقف إطلاق النار صدرت لنا الأوامر بالعودة للكتائب لأنه قد إنعقدت لنا السيطرة الجوية الكاملة وسيطرت دفاعاتنا الجوية علي كامل شبه جزيره سيناء ،لدرجه صدور أوامر للطيارين الإسرائيليين بالتحليق علي أقل إرتفاع ممكن حتي هربا من جحيم الصواريخ المصرية ،في طريق العودة إلي الكتيبة كانت السيارات تتحرك في طريق صحراوي غير ممهد في الظلام لأنه كان محظور علينا التحرك في النور ، وكان السائق الذي يحفظ الطريق قد حصل علي أجازة يومان ، وقاد بدل منه سائق أخر لا يجيد التعامل مع المدقات، والطرق الوعرة فكانت النتيجة الطبيعية أننا ضللنا الطريق في الصحراء المظلمة مع العلم بأن القافلة كانت تتكون من ثلاثة سائقين وأربعة مراقبين ،جويين وأربعة جنود للإشارة وأربعة للحراسة ،وأنا الجندي الوحيد الذي كنت مسئولا عن الصاروخين المتبقيين معي بالإضافة إلي لغمين شديدي الإنفجار ،حيث كانت لدينا أوامر إنه إذا ما سقطنا في أيدي العدو فإنه علينا بتفجير الصواريخ بالألغام حتي لا يتمكن العدو من الحصول عليها .

وفي ظل سيرنا في الظلام بلا هدي ولا دليل ، إنقض علينا فجأة مجموعة من الملثمين أخذوا ما معنا من أسلحة وكتموا أفواهنا حتي يشلون حركتنا، ولا يدعون لا مجالا للمقاومة، وبعد أن أنزلونا من السيارات كشفوا لنا عن هويتهم وإتضح أن المجموعة كانت عبارة عن فرقة صاعقة مصرية ،بقيادة اللواء محي الدين نوح، وأكدوا لنا أننا كنا علي بعد ثلاثة كيلومترات من أحد المعسكرات الإسرائيلية أي أننا في ظل مراقبة قوات الصاعقة لنا تم إنقاذنا من موت محقق بالإضافة إلي وقوع الصواريخ في يد العدو، ومعرفة سر من أسرار تفوق قوات الدفاع الجوي المصرية .

وأسجل من هنا أنني مازلت أدين بالفضل للواء محي الدين نوح أنه كان السبب في إنقاذ حياتنا أنا وفصيلتي ، وهو الأن صديق عزيز نتبادل الرسائل والمراسلات دائما وله في قلبي كل إعتزاز ومحبة .

– بعد الإنتصار كيف كرمتك الدولة ؟ 
– بعد إثنين وأربعين عاما ..!!!
– كيف ؟؟
– في أول أكتوبر عام 2015 تلقيت إتصالا من سكرتارية المحافظ الأسبق محمد سلطان . قالوا لي أنه عليك الحضور غدا لمقر المحافظة في تمام العاشرة صباحا ،وذهبت في الموعد المحدد لأجد المحافظ شخصيا في إنتظاري ووجدت الكثير من الجنود القدامي أبطال أكتوبر، وصافحني الحاكم العسكري وهنأني علي التكريم ،وأكد لي أنه كان يتمني خوض هذا الشرف العظيم مثلي،وهل من شرف أعظم من المشاركة في تحرير الأرض المحتلة، وقتها شعرت بأن روحي ردت إلي وشعرت بأني عدت 42 عاما إلي الوراء ، وكانت هناك لفتة أخري أجمل يوم منحي درع جامعة دمنهور من الدكتور عبيد عبد العاطي رئيس الجامعة بحضور أيقونة الوطنية اللواء أركان حرب ،محمد حسن الصول بطل معركة الجزيرة الخضراء .


أما أجمل اللحظات فكانت عندما نظموا لنا رحلة إلي قناة السويس بعد إفتتاحها وقابلت الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس وحكيت معه في حوار شيق قصة الكفاح والعبور من النصر إلي الهزيمة، وأتذكر أنني طلبت منه صورة تذكارية معه فقال لي بالحرف الواحد : أنا الذي لي الفخر أن أكون معك في هذه اللحظة أنت البطل ولي الشرف أن أقبل هاتين اليدين التي شاركتا في تحرير الأرض ،ولم أشعر بنفسي إلا وقد تساقطت دموعي فرحا وفخرا وسرورا بأنه قد تم رد إعتباري في وطني حتي وإن كان متأخرا .

شاهد أيضاً

هل التعدي علي سيدة حامل بالضرب القشة التي تسبب رحيل مجلس ادارة نادي دمنهور؟

فجرت الواقعة المؤسفة لاعتداء احد اعضاء النادي الاجتماعي بدمنهور علي سيدة حامل بالضرب، الغضب لدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *