الإثنين , 19 أكتوبر 2020
مقهي المسيري

قهوة المسيري بدمنهور ما بين التراث الثقافي وسطوة المال (تقرير)


تكملة لمسيرة سلسلة التقارير المتعلقة بتراث البحيرة الباهر بالحكايا والقصص المختفية عن أنظار وآذان الكثيرين، نروي اليوم عن منتدى ثقافي ،ومنبر لرواد الفكر والأدب، في تجربة فريدة استمرت منذ عام 1932 وهو “مقهى المسيري”.

في غالبية المدن العربية، والعالمية مقاهٍ صنعت أدباء، ومقاهٍ صنعها الأدباء وكانت محور إبداعاتهم، وفي محافظة البحيرة قد صنع أديب مقهى صنع من بعده أدباء.

كان مقهى المسيري مجرد مقهى للشرب والجلوس وقد حوله صاحبة ومؤسسه “الأديب القهوجي” عبد المعطي المسيري، إلى منتدى ثقافي كبير حيث شارك فيه رموز الأدب ،والفكر والإبداع في فترة من أخصب فترات الإبداع المصري، من بينهم يحيى حقي، ومحمود تيمور، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وزكي مبارك، ومصطفى صادق الرافعي، وعباس العقاد، ولويس عوض، ومحمد مندور، كما زار المقهى الرئيس الأسبق أنور السادات، قبل توليه الرئاسة، وبتكليف من الرئيس جمال عبدالناصر، الذي تلقى شكوى من صاحب المقهى المسيري، عاتبه فيها على عدم اهتمامه بثقافة الأقاليم ومبدعيها، وقال فيها: “لا بد من تفتيت الإقطاع الثقافي المسيطر في القاهرة”.

كما إن عبد المعطي المسيري، الأديب القهوجي، كما لقبه النقاد والمقربون من أصدقائه، علم نفسه القراءة والكتابة من كثرة متابعة الصحف والمجلات وأثناء عمله بالمقهى، وكان شغوفا بالأدب عامة، والقصة خاصة، وقد كتب عدة مجموعات قصصية من بينها (الظامئون وروح وجسد وأقاصيص من المقهى)، وترك أكثر من ٦٠٠ قصة قصيرة نشرت في كبرى الدوريات المصرية والعربية، وتعاقدت معه الإذاعة البريطانية لإذاعة قصصه.

ومنها تخرج أدباء لهم ثقلهم وبصمتهم الأدبية منهم خيري شلبي ورجب البنا وتخرج فيه أدباء مثل محمد صدقي، وأمين يوسف غراب، وإسماعيل الحبروك، والشعراء حامد الأطمس وفتحي سعيد وغيرهم.

والمميز في «مقهى المسيري» أنه كان أول المقاهي التي يقوم عليها مصري، حيث كان أغلب المقاهي والمطاعم آنذاك يونانية وأوروبية. ويعتبر مبنى المقهى أول المباني الخرسانية في مدينة دمنهور تلاه مبنى البلدية والإسعاف والاتحاد الاشتراكي (أمن الدولة حاليا).

ومثل كثير من التراث العريق الذي لم يأخذ حقه الكامل، فقد جرفت رياح الانفتاح التي حولت كل شيء إلى سلعة حتى الثقافة، فتراجع دور الفكر والمفكر، مما اضطر ورثة المسيري إلى تأجير المقهى ليصبح واحدا من بؤر التردي والإسفاف، ولتهدر معظم مقتنيات المكتبة التي كانت تضم مخطوطات يدوية لعدد من كبار الأدباء.

وفي عام 2001 شن عدد من المثقفين بالبحيرة حملة لإنقاذ مقهى المسيري وما تبقى من مكتبته من العبث والاندثار، فقرر أحمد الليثي محافظ البحيرة آنذاك، إعادة إنشاء مكتبة في المقهى تتبع وزارة الثقافة، وتحتل مساحة ١٨ مترا وسط المقهى الذي تبلغ مساحته ١٤٠ مترا، وضمت أكثر من ٤ آلاف كتاب، ليستفيد منها الرواد، في محاولة منه لاستعادة دور ومكانة المقهى.

وقد ترك العديد من مشاهير الأدب شهاداتهم عن المقهى… فقال الأديب “يحيى حقي”: “ذلك المثقف أو الأديب الذي يفكر في زيارة مدينة التاريخ القديم والتجار الشطار لكي يتعرف إلى صور الحياة وعادات الناس هناك، لا بد من أن يجلس على رصيف مقهى المسيري الذي يمثل ظاهرة مهمة عند أبناء المدينة المثقفين والأدباء والزجالين”.

وقال عنه الأديب “محمود البدوي”: “كانت قهوة المسيري منتدىً أدبيًا عامرًا وحافلاً على الدوام بالأدباء من القاهرة والإسكندرية ودمنهور”.

أما الكاتب الصحفي رجب البنا فيقول: “عشت أهم تجربة ثقافية من خلال قهوة المسيري، التي لم تكن مقهى تقليديًا بالمعنى المعروف، وقد عرفت للمرة الأولى نجيب محفوظ، ويحيى حقي، ولويس عوض، ود. محمد مندور من خلال قهوة المسيري، فهذه الأسماء الكبيرة كانت تتردد عليها لشعورهم أن دمنهور بها تجربة ثقافية كبيرة وجيل جديد من الأدباء والمفكرين، وكنتُ واحدا من هؤلاء، وحتى الآن لم تتكرر حالة الفوران الثقافي التي تسببت فيها داخل دمنهور”.

وفي عام 2017 انطفأت أنوار مقهى المسيري استعدادًا لهدم مبناه، ليحل محله بناية أكبر يمكن أن تمثل مشروعًا استثماريًا جديداً.

شاهد أيضاً

تأجيل تشكيل الأجهزة الفنية لقطاع الناشئين بنادي دمنهور

قرر مجلس ادارة نادي ألعاب دمنهور، تأجيل تشكيل الأجهزة الفنية لقطاع الناشئين بالنادي، نتيجة توقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *