الثلاثاء , 12 ديسمبر 2017
أخبار عاجلة

“المسبحة الحمراء” قصة بقلم “الشيماء تاج الدين”

 الشعور بالفقد ، العجز عن التصرف ، الخوف من المستقبل ، مشاعر كنت أظنها من ذلك النوع الذي يصيب الإنسان مرة واحدة في العمر ، تماما مثل مرض الحصبة الذي يصيب الطفل صغيرا ، ثم تتكون له مناعته الخاصة فلا يصاب به مرة أخرى ، وقد أخذت مناعتي مبكرا ، فيوم أن ذهبت لاستخراج بطاقتي الشخصية بعد وفاة أبى بشهور كنت أجدني أسعد حظا من أولئك الذين لم يصبهم الفيروس صغارا و لا يزالون في انتظار زيارة الألم .

أتذكر الآن كم كنت ساذجا ، فها أنا ذا أجلس في سرادق العزاء الفاخر مرة أخرى ، مكبر الصوت يكاد يصيبني بالصمم ، لولا آيات من الذكر الحكيم يتلوها الشيخ بصوت مؤثر تجبرني على تحمل ارتفاع الصوت ، الكراسي الحمراء القطيفة والفراشة العتيقة ، النجف الأبيض المتدلي من السقف ، من يمكنه أن يصدق أن الفقيد طفل صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره ؟ من يمكنه أن يصدق أنه سعيد ابن عم سيد الذي توفاه الله منذ سنوات بعيدة تاركا ثلاثة أبناء عمر أكبرهم لم يتجاوز السادسة عشره وأصغرهم طفل عمره أربع سنوات وزوجة شابة لا تملك من الحياة شيئا سوى بعض العطف الذي يشملهم به الحاج سلطان منذ أن أقام سرادق العزاء لأبى وحتى أقامه اليوم لأخي الأصغر .

تتسلل ذكرى الكلمات الأخيرة لأبى قبل رحيله ، صورة أمي بملابس الحداد السوداء ، أخي الأوسط محمود ، أخي الأصغر سعيد وهو يمسك بالكرة البلاستيكية ويسألني : لماذا لم يأت أبى منذ الأمس ؟ لا أتذكر متى توقف سعيد عن تكرار هذا السؤال ، أتذكر فقط كلماته منذ أيام قليلة مضت ، كنت عائدا يومها من عند الحاج سلطان بعد أن طلبت منى أمي الذهاب إليه والتحدث معه في أمر الشقة الجديدة التي وعدنا بها منذ سنوات بدلا من شقتنا الحالية التي تآكلت جدرانها وتصدع جزء من سقفها ، وعدني يومها أن يجد لنا شقه قريبا في إحدى عماراته التي تحتل مقدمة الشارع ، ولكنه أضاف أنه علينا الانتظار لعدة أشهر أخرى حتى ينتهي عقد الساكن الذي يعيش فيها ، نقرات يد سعيد الصغيرة على باب غرفتي أخرجتني من حيرتي في التفكير بما سوف أجيب به على تساؤلات أمي .

سألني يومها فجأة : كيف مات أبى ؟ ، أتذكر محاولاتي المتلعثمة في ترتيب الحروف والكلمات ، أخبره ببعض التفاصيل عن ذلك الحادث ، عندما كان أبى يقود سيارة الحاج سلطان المحملة بالبضائع ذاهبا إلى الإسكندرية ، وكيف أن الجو يومها كان ممطرا ولم ينتبه أبى للسيارة القادمة تجاهه ، وكيف انقلبت سيارته و .. يفاجئني بسؤال آخر : هل فعلا كانت الفرامل معطلة ؟ يتصبب العرق البارد من أعلي جبهتي ، أتذكر ذلك الحوار العاصف بيني وبين أمي ، تتقاذف ذكرى الكلمات في رأسي بلا رحمة ، لن أسكت عن حق أبى ، كان يرفض قيادة السيارة لأنه يعلم بالعطب الذي أصاب فراملها لولا أن هدده الحاج سلطان بالفصل من العمل ، نعم يا أمي سوف يتم القبض عليه ، هو السبب في قتل أبى ، ليست إشاعات يا أمي ، تعلمين أنها ليست كذلك ، كيف يمكنك التفريط في حق أبى بهذه البساطة ؟ صوت بكاء أمي ، صراخ أخي سعيد ، العبارة التي أجلتها أمي للنهاية ثم قذفتها في وجهي : هل أنت مستعد لترك دراستك ؟ ألا تريد دخول الجامعة ؟ تتجسد أمامي الحقيقة العارية التي أهلت عليها ثوب الإيمان بالقدر ، هذا قضاء الله وقدره ، كثيرون هم من فقدوا أباءهم ولكن قليلين هم من وجدوا الحاج سلطان ليقف إلى جوارهم .

يتوقف الصوت فجأة ، أهب واقفا لتلقى واجب العزاء ، أصافح تلك الأيدي دون أن أنظر إلى وجوه أصحابها ، أرفع رأسي قليلا ، أشاهده واقفا هناك في أول الصف ، يمسك بمسبحته الطويلة ، يحرك حباتها في رتابة ، يمد يده مصافحا لكل من يغادر السرادق ، شبح صغير يظهر ويختفي خلف عباءة الحاج سلطان الواسعة ، تحركني قدماي إلى حديث يختفي ، أمسك بيده الصغيرة ، يجفل الطفل ويحاول الهرب ، أشدد من ضغط أصابعي على يده ، يستسلم في النهاية ، يرفع رأسه إلى قائلا : سوف أحكى لك ، كنت آخر من رآه قبل أن تصدمه السيارة ، كنا نتسابق بالدراجات بجوار الكوبري ، هو الذي أصر على هذا السبق ليعوض خسارته في الأسبوع الماضي ، كان متعجلا للانتهاء من السبق قبل أن تعود أنت ، يخشى أن تراه وهو يقود الدراجة لأنك حذرته كثيرا من ركوب الدراجات التي نستأجرها من محل الحاج سلطان ، نحن أن نعلم أن فراملها معطلة ، مستحيل .. لا أصدق أنها الفرامل مرة أخرى ، يكمل حديثه : ولكن لم يحدث لنا شيء من قبل ، فقط هذه المرة كان سعيد يقود بسرعة ثم أتت السيارة الكبيرة و.. ألتفت سريعا ، تصطدم عيناي بالحاج سلطان ، لا يزال واقفا هناك يوزع الابتسامات الحزينة ، ممسكا بمسبحته الطويلة ، تتعلق عيناي بحباتها ، لا أدرى كيف تحولت حباتها الخضراء إلى اللون الأحمر ، تتساقط حباتها ، وبمجرد أن تصل للأرض تتحول إلى بقع حمراء صغيرة ، تختلط البقع بذرات التراب لتشكل سربا طويلا يمتد إلى حيث أقف ، أزيح هذا الكرسي من جواري ، أسير بمحاذاة الحائط حتى لا تدوس قدماي هذا السائل الأحمر ، تنفرج أصابع يداي استعدادا للقبض على رقبته الطويلة التي انعكست عليها أضواء المصابيح ، أخيرا أصل إليه ، ترتفع يداي قليلا وترتفع يداه كثيرا ، يلف ذراعيه حول جسدي النحيل ، يضمني إليه ، يهمس في أذني : شد حيلك ، أنت رجل مؤمن ، يخف قبضة يديه عنى ، يزيحني عنه قليلا ، ينظر في عينيّ مباشرة ويكمل عبارته : لا تنس أن تمر على صباحا فقد جهزت لك عقد الشقة ، يمكنك استلامها غدا إن أردت ، أوصل سلامي للحاجة ، أزاح وجهه عني ، رسم ابتسامة أخرى وهو يمد يده لمصافحة الرجل الواقف بجواري في انتظار دوره للمصافحة ، أتراجع بضع خطوات للوراء ، لم أتمكن وقتها من الانتباه إلى قدميّ وهى تغوص في تلك البقعة الحمراء الكبيرة التي كانت قد تكونت بعد أن انفرطت كل حبات السبحة.

شاهد أيضاً

شعر لعماد عامر من ديوان ” عجلتي “

ع السبورة التباشير الملون اللي احتارت تختار لونه كان بيغريها بالرسم بس الخوف من الخطأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *